في مثال إنساني مهم من عيادة د. حنان عطوان، اخصائية طب الدماغ وأعصاب الأطفال، تم تشخيص حالة لطفل يبلغ من العمر 9 سنوات كان يعاني من نوبات إغماء متكررة شُخّصت مبدئيًا على أنها صرع، رغم تمتعه بنمو طبيعي وذكاء واضح وبيئة أسرية مستقرة. خلال الأشهر الماضية، خضع الطفل في السعودية لسلسلة فحوصات موسّعة شملت تخطيط الدماغ المطوّل (Video-EEG)، الرنين المغناطيسي بمختلف أنواعه (MRI, MRA, MRV)، جهاز هولتر، إضافة إلى صور أشعة متعددة، دون الوصول إلى تشخيص حاسم، ما أدى إلى تكرار النوبات، الغياب عن المدرسة، واستنزاف نفسي كبير للأسرة.
عند قدوم العائلة إلى الأردن لأخذ رأي ثانٍ، تعرّض الطفل لنوبة في ممر العيادة. وخلال الملاحظة السريرية الدقيقة، لُوحظت مؤشرات مفصلية: إغلاق العينين طوال النوبة، الاستجابة السريعة دون ارتباك أو نعاس لاحق، وطريقة “إيقاظ” خاصة من قبل الأهل. وبالرجوع إلى تسجيل كاميرات الممر وهي ميزة تشخيصية مهمة حين تتوفر تبيّن أن الطفل كان يراقب المحيط ويتحين اللحظة المناسبة، ويؤمّن نفسه قبل السقوط، ثم يُغمض عينيه. هذه التفاصيل كانت كافية لتوجيه التشخيص بقوة نحو النوبات غير الصرعية النفسية المنشأ (Psychogenic / Non-functional Seizures)، بدل الصرع.
تم إشراك اختصاصيي الطب النفسي للأطفال، حيث أُكّد التشخيص ووُضعت خطة علاجية مناسبة، ما جنّب الطفل مسارًا طويلًا من الفحوصات والعلاجات غير اللازمة. تؤكد هذه الحالة أهمية الملاحظة السريرية الدقيقة، والتكامل بين التخصصات، ودور التقييم الشامل في الوصول إلى التشخيص الصحيح وحماية المريض والأسرة من أعباء غير ضرورية.